الخطيب الشربيني

137

مغني المحتاج

لأنه ظهر منه ما يدل على التجسم ، والمشهور أنا لا نكفر المجسمة ، وفيها أيضا عن القاضي عياض : أنه لو شفي مريض ثم قال : لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما لم أستوجبه ، فقال بعض العلماء : يكفر ويقتل لأنه يتضمن النسبة إلى الجور ، وقال آخرون : لا يتحتم قتله ويستناب ويعزر اه‍ . وقال المحب الطبري : الأظهر أنه لا يكفر ، وقال صاحب الأنوار في مسألة : لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها أنه يكفر ، والأولى كما قال الأذرعي : أنه إن قال ذلك استخفافا أو استغناء كفر ، وإن أطلق فلا . وقال الأسنوي في مسألة من صلى بنجس ما اقتضاه كلامه من كفر من استحل الصلاة بنجس ممنوع فإنه ليس مجمعا على تحريمها ، بل ذهب جماعة من العلماء إلى الجواز كما ذكره المصنف في مجموعه اه‍ . وحيث كان كذلك فلا يكفر . فائدة : لا بدع ولا إشكال في العبارة المعزوة إلى إمامنا الشافعي رضي الله عنه في قوله : أنا مؤمن إن شاء الله فهي مروية عن عمر ، وصحت عن ابن مسعود وهي قول أكثر السلف والشافعية والمالكية والحنابلة وسفيان الثوري والأشعرية ، وحكي عن أبي حنيفة إنكارها . قال الدميري : وهو عجيب لأنها صحت عن ابن مسعود وهو شيخ شيخ شيخ شيخه ، والقائلون بجواز قولها اختلفوا في الوجوب ، وذكر العلماء لها محامل كثيرة ، والصواب عدم الاحتياج إلى تلك المحامل لأن حقيقة أنا مؤمن هو جواب الشرط أو دليل الجواب ، وكل منهما لا بد أن يكون مستقبلا ، فمعناه أنا مؤمن في المستقبل إن شاء الله ، وحينئذ لا حاجة إلى تأويل ، بل تعليقه واضح مأمور به بقوله تعالى : * ( ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) * ويعتبر فيمن يصير مرتدا بشئ مما مر أن يكون مكلفا مختارا ( و ) حينئذ ( لا تصح ردة صبي ) ولو مميزا ( و ) لا ردة ( مجنون ) تكليفهما ، فلا اعتداد بقولهما واعتقادهما . تنبيه : المراد أنه لا يترتب عليهما حكم الردة وإلا فالردة فعل معصية كالزنا فكيف يوصف بالصحة عدمها ( و ) لا ردة ( مكره ) وقلبه مطمئن بالايمان كما نص عليه الكتاب العزيز فإن رضي بقلبه فمرتد . تنبيه : لو تجرد قلبه عند الاكراه على التلفظ عن اعتقاد إيمان وكفر ، ففي كونه مرتدا وجهان ، وينبغي أن لا يكون مرتدا لأن الايمان كان موجودا قبل الاكراه ، وقول المكره ملغى ما لم يحصل منه اختيار لما أكره عليه كما لو أكره على الطلاق فإن العصمة كانت موجودة قبل الاكراه ، فإذا لم يحصل منه اختيار لما أكره عليه لم يقع عليه طلاق ( ولو ارتد ) ولم يستتب ( فجن لم يقتل في جنونه ) لأنه قد يعقل ويعود إلى الاسلام ، فإن قتل مجنونا لم يجب على قاتله شئ كما نقلاه عن التهذيب وأقراه ، وقضية هذا أن التأخير مستحب . قال الأسنوي : وهو غير مستقيم ، فإن تصحيح وجوب التوبة ينفيه . قال الزركشي : وظاهر نص الام يقتضي وجوب التأخير وهو الوجه اه‍ . وعلى هذا يعزر قاتله لتفويته الاستتابة الواجبة ، ويحمل قول المهذب لم يجب شئ ، أي من قصاص أو دية . تنبيه : أشار المصنف بالتعبير بالفاء إلى تعقب الجنون الردة للاحتراز عما إذا ارتد واستتيب فلم يتب ، ثم جن فإنه يجوز قتله في حال جنونه ، ولو أقر بما يوجب حد الله تعالى ، ثم جن لا يقام عليه حينئذ احتياطا لأنه قد يرجع عن الاقرار ، فلو استوفى منه حينئذ لم يجب فيه شئ بخلاف ما لو ثبت ببينة أو أقر بقذف أو قصاص ثم جن فإنه يستوفى منه في جنونه لأنه لا يسقط برجوعه ( والمذهب صحة ردة السكران ) المتعدي بسكره كطلاقه وسائر تصرفاته ، وفي صحة استتابته حال سكره وجهان : أحدهما نعم كما تصح ردته وعليه الجمهور ، ونقله الرافعي عن النص ، وقال العمراني : إنه المذهب المنصوص والأسنوي : أنه المفتى به ، لكن يندب تأخيرها إلى الإفاقة خروجا من خلاف من قال بعدم صحة توبته ، وهو الوجه الثاني القائل بأن الشبهة لا تزول في تلك الحالة . أما غير المتعدي بسكره كأن أكره على شربها فلا يحكم عليه بالارتداد كما في طلاقه وغيره ( و ) المذهب صحة ( إسلامه ) عن ردته ، ولو ارتد صاحيا ثم